صديق الحسيني القنوجي البخاري

109

فتح البيان في مقاصد القرآن

تقدم في سورة يونس أنه يستجاب له بالخير ولا يستجاب له في الشر فراجعه ، وقيل المراد بالإنسان القائل هذه المقالة هو الكافر يدعو لنفسه بالشر وهو استعجال العذاب دعاءه بالخير كقوله اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] . وقال ابن عباس : قوله اللّهم العنة واغضب عليه ، وقيل هو أن يدعو في طلب المحظور كدعائه في طلب المباح . وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا أي مطبوعا على العجلة يسارع إلى كل ما يخطر بباله لا ينظر إلى عاقبته ، ومن عجلته أنه يسأل البشر كما يسأل الخير وقال ابن عباس : ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء ، والمراد بالإنسان الجنس لأن أحدا من الناس لا يعرى عن عجلة ، ولو تركها لكان تركها أصلح في الدين والدنيا . وقيل أشار به إلى آدم عليه اللام حين نهض قبل أن يكمل فيه الروح ، فعن سلمان الفارسي قال : أول ما خلق اللّه من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه ، فلما كان بعد العصر قال يا رب أعجل قبل الليل ، فذلك قوله وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا والمناسب للسياق هو الأول . ولما ذكر سبحانه دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب صنعه وبدائع خلقه فقال وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ وذلك لما فيهما من الإظلام والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من العجائب التي تحار في وصفها الأحلام ، ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على وجود الصانع وقدرته وعلى إنفاذ الحكم بتعاقبهما على نسق واحد مع إمكان غيره ؛ وقدم الليل على النهار لكونه الأصل ، وثنى الآية ههنا وأفردها في قوله وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً [ الأنبياء : 91 ] لتباين الليل والنهار في كل وجه ولتكررهما ؛ فناسب هنا التثنية بخلاف عيسى مع أمه فإنه جزء منها ولا تكرر فيهما فناسب فيهما الإفراد ، قاله الكرخي . فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي طمسنا نورها ، وقد كان القمر كالشمس في الإنارة والضوء ، قيل ومن آثار المحو السواد الذي يرى في القمر ؛ وقيل المراد بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة مظلمة لا يستبين فيه شيء ، وليس المراد أنه محاها بعد أن لم تكن كذلك ، والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقب جعل الليل والنهار آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته . وعن عليّ قال في الآية : هو السواد الذي في القمر . وعن ابن عباس نحوه . وأخرج البيهقي وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد اللّه بن سلام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن السواد الذي في القمر فقال « كان شمسين ، فالسواد الذي رأيت هو المحو » وعن